اﻟﺘﻨﻤﻴﺔ اﻟﻤﻨﺎﻃﻘﻴﺔ واﻟﺘﺠﻤﻌﺎت اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ
في مختلف دول العالم تحرص الحكومات على تعزيز الاستقرار الاقتصادي من خلال التصدي للتحديات الاقتصادية مثل التضخم، والاحتكار، والتستر التجاري، فهذه التحديات قد تعرقل من تنمية الدول، لذا تسعى السياسات العامة لمعالجتها بشكل شمولي، و على المستوى المحلي في هذه الدول، قد تواجه المناطق تحديات تختلف بحسب موقعها الجغرافي؛ فالقرى والمناطق الريفية قد تعاني من ضعف البنية التحتية كشبكات الطرق، الكهرباء، المياه، وخدمات الإنترنت، إلى جانب نقص الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم.
وتعرّف التنمية المناطقية بأنها جهود موجهة لتعزيز التنمية في منطقة إدارية أو ولاية أو إقليم، وهذه الجهود مهمة لأنها تعزز من مساهمة المناطق في الناتج المحلي الإجمالي، وتتيح فرصاً اقتصادية أكبر، وتقلل من البطالة، وتحسّن مستويات المعيشة لسكان تلك المناطق، كما أنها تحدُّ من التركّز الاقتصادي في المدن الرئيسية، وتسعى لتطوير قطاعات محددة وفق الميزة النسبية التي تتمتع بها كل منطقة. ويرى الخبراء أن التركيز على الميز النسبية لكل منطقة يعزز من كفاءة القطاعات المستهدفة؛ مما يؤدي إلى تشكيل ما يعرّف بالتجمعات الاقتصادية أو الصناعية، وهي شبكات مترابطة من الأنشطة الاقتصادية تدور حول نشاط رئيسي محدد.
وأشار العالم ألفريد مارشال إلى هذه الفكرة بمفهوم “اقتصاديات التكتل”، حيث تكون الإنتاجية أعلى عندما تتركز الأنشطة الاقتصادية المتشابهة في نفس المنطقة الجغرافية، وعندما تتكون تجمعات اقتصادية متكاملة، يظهر إلى جانب النشاط الأساسي أنشطة مساندة ومكمّلة تدعمه؛ لتخلق بيئة إنتاجية مترابطة مما يُسهم في رفع الكفاءة وتدفع نحو الابتكار والمنافسة، فعلى سبيل المثال؛ يؤدي وجود تكتل اقتصادي قوي في القطاع الزراعي إلى ظهور شركات خدمية لوجستية، ومرافق تعبئة وتغليف، وشركات تسويق، وغيرها لتخدم النشاط الرئيسي.
ولتحفيز هذه التجمعات، يمكن تطبيق سياسات اقتصادية مرنة ومحفزة مثل منح مزايا مرتبطة بمعدلات المساهمة في المحتوى المحلي في قطاعات محددّة، بالإضافة إلى توجيه التمويل التنموي لقطاعات أو صناعات معينة في مناطق محددة لتعزيز نموها وغيرها من السياسات.
وتشير الدراسات إلى أن التجمعات الاقتصادية تساهم في التنمية عبر ثلاثة محاور رئيسية:
1. زيادة الإنتاجية من خلال التعاون بين الشركات في نفس القطاع وتبادل الموارد والخدمات.
2. تشجيع الابتكار نتيجة المنافسة، مما يدفع الشركات لتطوير أدوات وتقنيات جديدة تعزز من الإنتاجية.
3. خلق أنشطة اقتصادية جديدة مرتبطة بالنشاط الرئيسي، مما يوسّع نطاق العمل لخلق وتعزيز مشاركة قطاعات أخرى داعمة للاقتصاد المحلي.
ولتوضيح الفكرة، يمكن النظر إلى مثال قطاع زراعة البن في منطقة جازان، حيث يوجد أكثر من 2,500 مزرعة تضم أكثر من 400 ألف شجرة، تنتج حوالي 800 طن سنوياً، وهناك خطة لرفع عدد الأشجار إلى 1.2 مليون شجرة بحلول 2026م، والدعم التنموي بإمكانه أن يشمل قطاع زراعة البن، والخدمات اللوجستية المرتبطة بها، ما يعزز من تكامل التجمع الاقتصادي ويدعم سلاسل القيمة للقطاع.
وتطوير التنمية المناطقية على هذا النحو يسهم أيضاً في تعزيز تنافسية المناطق، والمساهمة في تحقيق الاكتفاء الذاتي، وزيادة فرص التصدير، ورفع مساهمة القطاع في الناتج الإجمالي، كما يفتح الباب لإنشاء منشآت متخصصة، ووظائف نوعية، ويُشجّع استخدام التقنيات الحديثة والابتكار؛ حيث يتم ذلك ضمن رؤية موحدة وجهود متكاملة بين القطاعين الحكومي والخاص.
ومن المهم أن نشير إلى أن رؤية المملكة 2030 وضعت خططاً لاستحداث وتعزيز نمو قطاعات ناشئة ذات إمكانات عالية لتزيد احتمالية تكوين تجمعات اقتصادية، مثل: زراعة الزيتون في منطقة الجوف، إنتاج و زراعة التمور بطرق مبتكرة في منطقة القصيم، والسياحة الريفية في منطقة عسير، والصناعات المتقدمة والتقنيات الحيوية وتقنيات الطاقة النظيفة في نيوم، وكل هذه القطاعات الناشئة من المتوقع أن تسهم في رفع الناتج المحلي غير النفطي، وتعزيز التنافسية المناطقية من خلال استحداث ودعم نمو تجمعات اقتصادية جديدة في مختلف مناطق المملكة.
